الجمعة، 22 نوفمبر 2013

نشأت الغات وتطور اللغة العربية


مكانة اللغة العربية:

اللغة العربية من اللغات السامية التي شهدت تطورا كبيرا وتغيرا في مراحلها الداخلية.

وللقرآن الكريم فضل عظيم على اللغة العربية حيث بسببه أصبحت هذه اللغة الفرع الوحيد من اللغات السامية الذي حافظ على توهجه وعالميته؛ في حين اندثرت معظم اللغات السامية، وما بقي منها غدا لغات محلية ذات نطاق ضيق مثل العبرية والحبشية.

واللغة العربية يتكلم بها الآن قرابة 300مليون إنسان كلغة أم، كما يتحدث بها من المسلمين غير العرب قرابة العدد نفسه كلغة ثانية.

ومن تأثير اللغة العربية على محيطها وعلى المسلمين أن هناك عدة لغات أخرى تكتب بالحرف العربي الحديث، ومنها:

أ‌- في آسيا: الفارسية والأوردية، والكردية، والملايو، والبشتو.

ب‌- في إفريقيا: الهوسا، والفلانية، والكانوري.

ت‌- كما توجد لغات بقت سنين عديدة تكتب بذلك الحرف حتى غيرت مؤخرا لأسباب متعددة منها: التركية، والصومالية، والسواحلية.

أول ظهور للعربية:

لم يعرف على وجه الدقة متى ظهرت كلمة العرب؛ وكذلك جميع المفردات المشتقة من الأصل المشتمل على أحرف العين والراء والباء، مثل كلمات عربية وأعراب وغيرها.

وأقدم نص أثري ورد فيه اسم العرب هو اللوح المسماري المنسوب للملك الآشوري (شلمانصر الثالث) في القرن التاسع قبل الميلاد، ذكر فيه انتصاره على تحالف ملوك آرام ضده بزعامة ملك دمشق، وأنه غنم ألف جمل من جنديبو من بلاد العرب.

ويذكر البعض –من علماء اللغات- أن كلمة عرب وجدت في بعض القصص والأوصاف اليونانية والفارسية وكان يقصد بها أعراب الجزيرة العربية.

ولم يكن هناك لغة عربية معينة، لكن جميع اللغات التي تكلمت بها القبائل والأقوام التي كانت تسكن الجزيرة العربية سميت لغات عربية، وهي لغات متطورة من البابلية وغيرها، ومنها لغة عاد وثمود وسواهم، وكانت لغات متقاربة وتتطور حينا بعد حين، وتتغير.

ومن تلك اللغات القديمة اللغة المهرية المستخدمة حتى الآن في ثمود وسوقطرى.

ولم تكن تلك اللغات تكتب بالأحرف العربية التي نعرفها الآن، ولكنها مرت بعدة تحولات كما سيأتي.

من هم العرب؟:

كان لنوح عليه السلام عدة أبناء منهم سام الذي تنتسب إليه كل الشعوب السامية؛ ومنهم العرب.

وكان لسام بن نوح خمسة أبناء وهم : (إرم ، ولاوذ ، وأرفخشذ ، وآشور، وعيلام).

والقوم الذين اصطلح لاحقا على تسميتهم عربا، يعودون للأبناء الثلاثة الأوائل.

وينقسم العرب إلى عرب بائدة وعرب عاربة وعرب مستعربة.

فأما إرم بن سام فمن نسله جزء من العرب البائدة، وبعض العرب العاربة.

وأما لاوذ بن سام فمن نسله بعض العرب البائدة.

وأما أرفخشذ بن سام فمن نسله بعض العرب العاربة وكل العرب المستعربة، ومن أحفاده إبراهيم عليه السلام؛ وجميع أبناءه ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم.

العرب البائدة:

وهم العرب الذي كانوا في الجزيرة العربية في السنوات الغابرة ثم بادوا وانتهوا، ومنهم عاد المنتسبين لجدهم عاد بن عوص بن إرم، ويسمون عاد إرم، ومنهم ثمود وجديس وغيرهم من نسل إرم بن سام بن نوح.

ومن نسل لاوذ بن سام بن نوح العمالقة وطسم وهم أصحاب الرس.

العرب العاربة:

ويسمون (القحطانية) وهم الذي كانت عندهم اللغة العربية القديمة، ومنهم أخذ العدنانيون العربية الحديثة.

ومنهم سبأ وحمير ومعين وجرهم وهم من نسل عاد الذي يعود نسله لإرم بن سام.

ومنهم حضرموت وعمان وهم من نسل أرفخشذ بن سام.

فسبأ –مثلا- الذي ينتسب إليه قوم سبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام.

وهود من نسل عاد ونبيهم، وهم من نسل إرم بن سام بن نوح.

وقحطان بن هود هو الذي انتسب له القحطانيون، وقيل أنه أول من تكلم بالعربية، وقيل بل ولده يعرب بن قحطان، وهما جدان لمعظم العرب البائدة والعاربة، فمن أحدهما كان منشأ اللغات العربية القديمة.

وهذه اللغات القديمة التي تطورت عصرا بعد عصر انقسمت إلى قسمين:

أ‌- لغات عربية جنوبية قديمة:عند أقوام جنوب الجزيرة العربية، مثل المعينية والسبأية والحميرية، وكانت تكتب بالحرف المسندي.

ب‌- لغات عربية شمالية قديمة:عند أقوام شمال الجزيرة العربية، مثل اللغات الثمودية واللحيانية والصفوية، وكانت تكتب بالحرف الثمودي.

ولا يتيسر الآن لأحد منا أن يفهم شيئا من كتابة أولئك القوم سواء باللغة الشمالية أو الجنوبية، إلا بدراسة تلك الحروف والكتابات.

العرب المستعربة:

ويسمون (العدنانية)، وجدهم النبي إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ويرجع نسب إبراهيم إلى أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.

وحين أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يترك ولده إسماعيل عليه السلام في ذلك الوادي غير ذي زرع، كان إبراهيم يقوم بغرس العرب العدنانية الذين سيشكلون جزءا من العرب لاحقا.

فعندما نبع ماء زمزم جاء قوم من جرهم القحطانيين فسكنوا مع إسماعيل هناك، وأخذ منهم العربية الجنوبية القديمة التي خلط شيئا منها مع لغة أبيه الكلدانية.

ثم جاء العماليق وتزوج إسماعيل منهم، ثم تزوج من جرهم، كان له الكثير من الولد، وانتشر نسله.

وكان من أحفاده –بعد عدة أجيال- رجل اسمه عدنان، إليه ينتسب أبناء إسماعيل.

وقد تأثرت لغتهم باللغات العربية الشمالية الموجودة حولهم حينئذ ومنها الثمودية واللحيانية تأثرا ظاهرا.

ونشأ من ذلك التزاوج بين اللغتين العربيتين الجنوبية (من جرهم والعماليق) والشمالية من (الثمودية واللحيانية) إضافة للمصطلحات الكلدانية اليسيرة (من إبراهيم) نشأت اللغة العربية الحديثة التي هي أم اللغة العربية الفصحى كما سيأتي.

وقد استمرت أكثر من ألفي سنة حتى تطورت إلى اللغة العربية الفصحى، بعد أن مرت على سنة التطور والتغير.

اللغة العربية الفصحى:

تطورت اللغة العربية الحديثة عبر مئات السنين، وبعد مرور أكثر من ألفي سنة من ولادتها أصبحت –قبيل الإسلام- تسمى (لغة مضر) وتستخدم في شمال الجزيرة وقد قضت على اللغة العربية الشمالية القديمة وحلت محلها.

بينما كانت تسمى اللغة العربية الجنوبية القديمة (لغة حمير)، نسبة إلى أعظم ممالك اليمن حينذاك.

وما كاد النصف الأول للألفية الأولى للميلاد ينقضي حتى كانت هناك لقريش ولغة لربيعة ولغة لقضاعة، وهذه تسمى لغات وإن كانت مازالت في ذلك الطور لهجات فحسب، ويفهم كل قوم غيرهم بسهولة، كما كانوا يفهمون لغة حمير أيضا وإن بشكل أقل.

وكان نزول القرآن في تلك الفترة هو الحدث العظيم الذي خلد إحدى لغات العرب حينذاك، وهي اللغة التي نزل بها –والتي كانت أرقى لغات العرب- وهي لغة قريش.

وسميت لغة قريش مذاك اللغة العربية الفصحى.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

(وكذلك أنزلناه حكما عربيا…)،( وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا)،(وهذا لسان عربي مبين).

تطور الكتابة العربية:

أسلفنا أن اللغات العربية القديمة كانت تكتب بالخطين المسندي والثمودي.

ثم دخل مع اللغة العربية الحديثة الخط النبطي المأخوذ من الفينيقيين، وقيل أنه نسبة لنابت بن إسماعيل عليه السلام.

وأخذ ذلك الخط مكان الخط الثمودي في شمال الجزيرة، وأصبح الخط المعتمد في لغة مضر (العربية الحديثة)، أما لغة حمير (العربية القديمة الجنوبية) فحافظت على الخط المسندي.

وأخذ الخط النبطي –الذي هو أبو الخط العربي الحديث- يتطور أيضا.

وكان أقدم نص عربي مكتشف مكتوبا بالخط النبطي وهو (نقش النمارة) المكتشف في سوريا، والذي يرجع لعام 328م.

ولنحاول المقارنة في هذا الجزء من ذلك النص مع الحروف العربية الحديثة:

امرء القيس بن عمرو ملك العرب

وفي الفترة السابقة للإسلام كانت هناك خطوط أخرى حديثة للغة مضر مثل الخط الحيري (نسبة إلى الحيرة)، والخط الأنباري (نسبة إلى الأنبار).

وعندما جاء الإسلام كان الخط المستعمل في قريش هو الخط النبطي المطور، وهو الخط الذي استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة رسائله للملوك والحكام حينذاك، ويلحظ في صور بعض تلك الخطابات الاختلاف عن الخط العربي الحديث الذي تطور من ذلك الخط.

وبعض المختصين يعتبرون ذلك الخط النبطي المطور عربيا قديما، وأقدم مكتشفات منه (نقش زبد) 513م، و(نقش أم الجمال) 568م.

الخط العربي الحديث:

كان الحجازيون أول من حرر العربية من الخط النبطي، وبدأ يتغير بشكل متقارب حتى عهد الأمويين حين بدأ أبو الأسود الدؤلي بتنقيط الحروف.

ثم أمر عبد الملك بن مروان عاصما الليثي ويحيى بن يعمر بتشكيل الحروف، فبدأوا بعمل نقطة فوق الحرف للدلالة على فتحه، ونقطة تحته للدلالة على كسره، ونقطة عن شماله للدلالة على ضمه.

ثم تطور الوضع إلى وضع ألف صغيرة مائلة فوق الحرف للفتح، وياء صغيرة للكسر، وواو صغيرة للضم.

ثم تطور الوضع للشكل الحالي في الفتح والكسر والضم.

كما انتشرت الخطوط العربية وتفشت في البلاد والأمصار.

من مميزات اللغة العربية:

للغة العربية مميزات تميزها عن كل لغات العالم، ويجعلها نعمة حقيقية يتمتع بها العارفون بها والمحبون لها، منها:

1- أنها لغة القرآن الكريم التي اختار –عز وجل- أن ينزل بها آخر كتبه التي سيتعبد به إلى نهاية تاريخ البشرية.

2- أنها أقل لغات العالم تطورا منذ نزول القرآن الكريم، فلا توجد لغة مر عليها أكثر من ألف عام وما زال أهلها يمكنهم قراءة وفهم نصوصها بسهولة مثلها، وبعدها العبرية.

3- الإعراب ميزة للغة العربية، حيث يشمل كل المفردات من اسم وفعل وحرف، ورغم وجود الإعراب في بعض اللغات الأخرى مثل الهندية والعبرية والحبشية والجرمانية والمصرية القديمة، إلا أنه إعراب قاصر ببعض الكلمات دون بعض.

4- ومن المميزات ضبط الكلمة بالشكل من ضم وفتح وكسر، فكلمة علم -مثلا- يمكن أن تقرأ على سبعة أوجه حسب تشكيلها (عَلِم، عُلِم، عَلَّم، عُلِّم، عَلِّم، عِلم، عَلَم).





قضية المعرب والدخيل في اللغة العربية

أما المعرَّب: والاسم الآلي العملي له هو التّعريب، فيترك لدراسة منفصلة خاصّة، لأهميته وتشعّبه ودوره الأساس في ضخّ اللغة بأنماط من الاشتقاقات المتنوّعة.
يبقى الأصيل والدخيل، وهما متعارضان مائة بالمائة، ولا يمتُّ كل منهما بصلة للآخر أبدًا.
فالأصيل: من الأصل أو الأساس، هو الكلمة العربية النقيّة، التي لا لبس فيها ولا شك بعربيتها الصّافية، هي كلمة معروفة ومتناقلة ومستعملة في نتاجنا العربي ومتفق على أنها مستعملة وشائعة منذ الجاهلية وحتى اليوم.
أما الدخيل: فهو الهجين والغريب، والذي لا يمتّ بصلة في أي من جوانبه إلى اللغة العربية، لأنه دخل كما هو في زيّه وسحنته وشكله وإطاره الأجنبي، كما أنه اعتمد كما هو دون تغيير وتبديل وإضافة وحذف من قبل مجامع اللغة العربية، وموافقة اللغويين العرب([2]).
إذن هذا الدخيل بقي كما هو لعدم القدرة على تعريبه، وإدخاله إلى صميم اللغة العربية، وإخضاعه لنواميسها وقواعدها الاشتقاقية، فهو اللفظ الأجنبي الذي دخل ويدخل اللغة العربية دون تغيير مثل: الأوكسجين- التلفون- راديو- تلغراف.. إلخ.
والدخيل في اللغة هو الذي يداخلك في أمورك، وفلان دخيل في بني فلان، إذا كان من غيرهم فتدَّخل فيهم، والدّخيل: المُداخل المُباطن، وداء دخيل: داخل.
أما مصطلح "الدخيل" اللغوي عند ابن منظور في لسان العرب، فلا يعدو أن يكون إشارة مُجتزأة إلى جوهر المصطلح بمفهومه الأعم الأشمل، وهي بذلك تدلّ على فهمٍ متطوّر جليّ لظاهرة الدّخيل في اللغة العربية، يقول: وكلمة "دخيل" أُدخلت في كلام العرب وليست منه، استعملها ابن دريد كثيرًا في الجمهرة([3]).
والحقيقة أن هذا الاستعمال هو "تعريب"، تبعًا لقول الجوهري في الصّحاح: تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوّه به العرب على مناهجها، تقول: عرّبته العرب وأعربته أيضًا.
ولم يستوِ الدخيل مصطلحًا خالصًا متّفقًا عليه عند العرب بالدّقة والتحديد وإن حظي باهتمام السّلف في رحلة التصنيف في غريب القرآن، ومعرفة تنقية اللغة بعد ذاك إلى أن جاء الجواليقي، فأضفى عليه مزيدًا من الإيضاح عندما نظر إليه بالقياس إلى العربي الأصيل أو الصريح، حيث قال في مقدمة كتابه "المعرّب من الكلام الأعجمي": ((هذا كتاب نذكر فيه ما تكلّمت به العرب من الكلام الأعجمي، ونطق به القرآن المجيد، وورد في أخبار الرسول (صلى الله عليه وآله) والصّحابة والتّابعين، وذكرته العرب في أشعارها وأخبارها، ليُعرف الدّخيل من الصريح، ففي معرفة ذلك فائدة جليلة، وهي أن يحترس المشتق، فلا يجعل من لغة العرب لشيء من لغة العجم))([4]).
فالدّخيل والكلام الأعجمي هنا وُضِعَا في مقابل العربي الصحيح، وتلك صورة تزيد مفهوم الدّخيل وضوحًا وتعزّز استقراره مصطلحًا.
وهكذا تعمّم هذا المصطلح "الدخيل" بعد ذلك في تعابير حديثة من مثل "المصطلحات الدخيلة، والعلوم الدخيلة" وما شابه ذلك مما استُعير وأُخذ واعتُمد من اللغات الأخرى.
وإليك بعض النماذج من الكلام الدخيل على اللغة العربية:
بعض ما أخذه العرب من الفرس:
وهو كثير جدًّا، وسنشير إلى الكلمات والمصطلحات ممّا عُرف من دخيل توزّعته المصادر اللغوية من شعر ونثر ومعجمات وأقوال.
وفي العصور الماضية -خاصّة في العصر الجاهلي- لم يكن العرب يتحفّظون أو يحتاطون من أخذ ألفاظ أجنبية، ورغم ذلك كان ما أخذوه قليلاً، علمًا أن صِلاتهم بالفرس كانت وثيقة عن طريق المناذرة في الحيرة ودومة الجندل وجنوبي العراق، مما يُسهم في فتح بابٍ للتبادل اللغوي عبر الأخذ والعطاء، والمحادثة والمحاورة، وغير ذلك مما يمكن أن يخلّف آثارًا لغوية لا يمكن تجنّبها والوقوف في وجهها.
ونقف قليلاً عند مثال واحدٍ أسهم في تغذية اللغة العربية ببعض الدخيل الفارسي، هو الأعشى صناجة العرب، أو ميمون بن قيس، وكان لاحتكاكه برهبان الأديرة، وبالجواري التركّيات، ووقوفه على مسمَّيات غريبةٍ يعجُّ بها مجلس خمر في بيئة فارسية مُترفة، ومشاهدته لألوان من الرّياحين وأنواع من آلات الطّرب التي لم يعرفها العرب، كل ذلك جعله يقتبس ويضمّن شعره كثيرًا من الألفاظ الفارسية، حتى ولو جاء ذلك من باب الهزل والاستطراف.
وسأشير إلى بعض ما أدخله الأعشى في شعره من الفارسية:
أس - إبريق - بربط (آلة طرب) - بستان - بنفسج - خندق - راووق - زبرجد - زمهرير - زنبق - زير - سنبك - سوسن - صناجة - طنبور - شيدارة (بساط منقَّش وثمين، أو بُرد يشق ثم تلقيه المرأة على عنقها من غير كُمَّين ولا جيب)، وقال الأعشى:
إذا لبست شيدارة ثم أرمَتْ
 

بمعصمها والشمس لما ترجل
 
مكوك (آلة تخص النسَّاج والخُيّاط)- مكيال - نمارق - ياسمين.
والملاحظ أن هذه المسمَّيات تتعلّق بآلة العيش، ومجالس الطّرب، إلى جانب ألفاظ تتعلّق بالعمران، أو باللباس، وغير ذلك مما لم تعرفه العرب على تلك الصورة.
ومما يشبه هذه الألفاظ أو المسمّيات أخذ العرب ألفاظًا فارسية تتّصل بالثياب والألوان من مثل: إستبرق - جورب - دخدار (ثوب)- ديباج - زركشة - سروال - جوخ - طيلسان - تبان - خزّ - زرياب (ماء الذهب).
كما أدخل العرب ألفاظًا فارسية تتعلّق بالمعادن والأحجار الكريمة، مثل: فولاذ - زئبق - دانق - إبريز - جوهر - خنجر - جنزار - تنك - فيروز - لازورد - توتياء([5]).
ومن النباتات والرّياحين والأشجار المثمرة وغير المثمرة أخذ العرب ألفاظًا لم تكن معروفة في لغتهم مثل: سنديان - صنوبر - تفّاح - ترمس - مردقوش (الزعفران)- أزدرخت أو زنزلخت - نسرين - ياسمين - باذنجان - جرجير - جزر - خيار - سرو - لوز - زعرور - زنبق - هليون - أفيون.
وأخذوا من أسماء الحيوانات: سنجاب - سنّور - جاموس - دلق (حيوان شبيه بالسنجاب) - ومن الطيور: كروان - ببغاء - باز - شاهين - قُبَّح (الحجل).
ومن الأشربة والأطعمة: جردق (الغليظ من الخبز) - جلّاب - شوربا - زلابية - رشته - بوظة - بقلاوة - سنبوسك - برغل - فالوذج - كعك.
وسأذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يمكن وضعه في خانة الألفاظ العامة الإدارية والتنظيمية:
ديوان - باره - نموذج - خندق - بريد - برنامج - دستور - سرداب - دهليز - عسكر - سندان - صولجان - فرند - سباهي (رتبة عسكرية، تحوّل معناها إلى مالك القرية) - قيروان - بهلوان - تاج - مهرجان - مومياء([6]).
بعض ما اقتبس من الآرامية:
كانت اللغة الآرامية حوالى سنة 500 قبل ميلاد المسيح اللغة العامة الرسمية في كل بلاد الشرق الأدنى القديم، بعد أن حلَّت مكان العبرية والكنعانية، في حين جعل الفرس آنذاك الآرامية لغتهم الرسمية.
وقد اقتبس العرب من السّريان، وهم في مقدّمة الشعوب الآرامية في الجاهلية والقرون الأولى للإسلام، فأخذوا منهم حتى العصر السادس بعد هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) مئات الكلمات التي تختصّ بالزراعة والصناعة والتّجارة والملاحة والعلوم، كذلك استعاروا منهم ألفاظًا كثيرة متعلّقة بالنصرانية بعضها سرياني والآخر من أصل يوناني.
وقد انتشرت اللغة الآرامية الغربية، المشتقّ اسمها من آرام، اسم سورية في العبرانية، انتشرت بلهجات مختلفة في الأناضول، سورية، لبنان، فلسطين، مصر، وشبه جزيرة العرب.
وقد بلغت السريانية - وهي أشهر لغات الآرامية الغربية - أوجَّها وازدهارها من القرن الثالث إلى الثامن، عندما كانت لهجة (الرها) السريانية اللغة الأدبية الوحيدة لكل نصارى الشرق الأدنى، ثم تقلَّص نفوذها كثيرًا بعد الفتح العربي، فصارت لغة كنسيّة لا غير، تُتلى بها صلوات القداس في طائفتي الموارنة والسريان، وفي فترات الفتح العربي كان أدباء سورية منكبّين على ترجمة أشهر مؤلفات اليونانيين إلى السريانية، وقد حفلت أديرة رهبانهم بتلك الترجمات النفيسة، فتردّد إليها أدباء عرب كثيرون، ونقلوا إلى لغتهم قسمًا كبيرًا من كنوزها(  

 ومن أسباب وجود ظاهرة الدخيل :
v  الاختلاط
                                                السبب الرئيسي للدخيل كما ذكرته العديد من الكتب هو مســــألة الاخــــتلاط ،والذي يمكن أن نقول في حقه بالإجماع ،  ولهذا الاختلاط كما ذكره قدور
 قائلا ( إن الاختلاط بالأعاجم كان سببا من أسباب اللحن الذي هدد العربية بعد الإسلام ولاسيما حين كثر الاختلاط في أواخر القرن  الأول وبداية القرن الثاني للهجرة ، أما في الجاهلية فقد كان الاختلاط بالأعاجم موجودا على أطراف الجزيرة بسبب المجاورة ، كما كان موجودا في الديار العربية القديمة في الشام والعراق ، لاسيما إمارتي الغساسنة والمناذرة )

                  والدليل على ذلك ما جاء به الفارابي في نصه حول الاحتجاج بلغات القبائل العربية ، فقد أخذ يذكر القبائل التي كانت تجاور  الأعاجم أو تتعامل معهم قائلا ( فلخم وجذام كانوا مجاورين للقبط في مصر ، وقضاعة وغسان وإياد كانوا مجاورين لأهل الشام وأكثرهم نصارى يقرؤون في صلاتهم بغير العربية ….وغير تلك الدلائل كثير ). [3]
  
    لكن هناك من القبائل ما كانت بعيدة عن هذه الخطوط وعن هذه الدوائر وبقيت في عزلة في البوادي بالجزيرة العربية ، فكان الاختلاط لا يمثل شعارا لها فكانوا بذلك
مصدرا يعتمد عليه في استمداد الفصيح الذي سلم من آثار الاختلاط . [4]
وفعلا هذا ما كان موجودا سابقا، يذهب النحاة واللغويون إلى البادية فإذا سمعوا شخصا يقول لفظة دونوها ، وهذا ما نجد أثره في النحو وفي كثير من العلوم ، فيقال مثلا جائز النصب أو جائز الجر لقول الأعرابي ، وإن كان قولا واحدا أو قولا صعب على اللسان المعاصر .

            ونتيجة لاختلاط اللغة العربية باللغات الأخرى واختلاطها مع بعضها البعض نتج ما يعرف باسم الدخيل في اللغة العربية ف( وجود الدخيل في لغتنا العربية هو صورة لظاهرة عامة في كل اللغات فهي جميعا تستورد الدخيل بحسب حاجتها ، ويسترب إليها أيضا رغم أنـفها ، إذ لا يكاد يعقل أن تتم عملية تبادل حضاري غير مشفوعة بتبادل لغوي في الــــوقت ذاته ، ويبدأ ذلك بتحويل الاسم العلم إلى عام للدلالة ) [5].
وقد ذكر قدور في كتابه مدخل إلى فقه اللغة  أن هناك فرقا بين الاختلاط والاقتراض في وجهة نظره فالاقتراض في نظره إدخال لعناصر أجنبية معزولة لا تمثل  عادة خطرا على اللغة ، بل تكون وسيلة من وسائل نموها بمعنى نمو للثروة اللفظية ما دامت في الحدود معينة وحدود مقبولة للحاجة الماسة ، أما الاختلاط فهو التوسع الواسع للعرب بالأجانب بعد الفتوحات التي عاشوها [6]
ويمكننا أن نتفق مع قدور في رأيه فممكن أن يكون اقترضت من إنسان شيء لي فائدة به ، ومن جهة الاختلاط فإننا نقول اختلطت بفلان ومن الطبيعي أن الإنسان به السلب والإيجاب لكن من كثر الاختلاط والاندماج ممكن أن نأخذ  شيئا من السلب وشيئا من الإيجاب ، وأنوه بأنه أيضا يوجد فرق بين الاقتراض وبين الترجمة فأقول ( الترجمة هي الأخذ من أي لغة إلى لغة أخرى وتشمل نقل كلمة في الأدب والفكر ، والتعريب هو ترجمة ( لكن ) من أي لــغة إلى العربية . أما الاقتراض فهو مرادف للترجمة ، لكنه محدد من حيث الحجم فلا يتسع لنقل الكتب بل يبدو متخصصا بالألفاظ والجمل .
    ويؤكد الكاتب على ما قاله الكتاب بأن ( الاقتراض ظاهرة عالمية من ظواهر التقاء اللغات وتأثرها بعضها ببعض في السلم والحرب ، وبالتجاور والاتصال ) وهذا ما أسلفت عنه القول سابقا ، ( فيؤثر بعضها في بعض حسب قوة العوامل المؤثرة ومنها :
§        تفاوت الشعبين في الثقافة والحضارة.
§        طول التقاء وتنوعه وعمقه .
المناعة اللغوية الناشئة عن أسباب تعود اللغة نفسها في قوتها  وصلاحها ) [7]
v  التجارة :
             وللتجارة أيضا دور في ظهور ظاهرة الدخيل ، ونقل الأشياء  الغريبة التي تحمل معها أسماءها مثل إسفنج واسطوانة .
v   الشعراء والشعر :
وذلك بسبب سفر الشعراء إلى المواطن الأجنبية ، فالشعراء دائمو الترحال بين البلدان إما بسبب سياسي ، أو بسبب شخصي .  [8]
v   لخفة بعضها وإدخاله في لغة الشعر ذات الانتشار الواسع في القبائل . [9]
  فالكل يعرف أن للشعر أثرا كبيرا في الانتشار ، وأن الشعر هو ديوان العرب قديما فيحكي عن همومهم وأحزانهم ، فكانوا يجعلون من الشعر وسيلة للتعبير وهذا الشعر لا يظل طويلا ففي لحظة ينتشر حتى أن هناك من لديهم الملكة في قول الشعر مباشرة لكل ما يصادفهم في الحياة .
v  الحروب الصليبية :
             أتاحت الحروب الصليبية فرصا للاحتكاك باللغات الأوروبية الحديثة ، فانتقلت العديد من المفردات تبعا لذلك ، وفي العصور الحاضرة كثرت فرص  هذا الاحتكاك وتنوعت أسبابه تبعا لتوثيق الروابط الاقتصادية والسياسية والثقافية بين شعوب أوروبا والأمم الناطقة بالعربية ، وتبادل البعثات ، وكثرة الجاليات الأوروبية في الشرق ، وترجمة منتجات الفرنجة إلى اللغة العربية ، فانتقلت بذلك العديد من مفردات اللغات الأوروبية في شئون السياسة والاجتماع ومنتجات ومصطلحات الصناعة العلوم والفنون ... ومــــا إلى ذلك . [10]
 وهناك العديد من المقاييس في معرفة الدخيل ندرج منها  :

        لقد وضع بعض علماء اللغة علامات عامة ، بها تعرف الكلمات الأعجمية من هذه العلامات :
ü     أن تكون الكلمة مخالفة للأوزان العربية مثل إبريسم ، آمسن ، جبريل .
ü     أن تكون الكلمة فاؤها نونا وعينها راء مثل نرجس ، نرد ، نورج .
ü     أن تنتهي الكلمة بدال يعقبها زاي مهندز ، الهنداز.
ü     أن يجتمع في الكلمة الصاد والجيم ، مثل الصولجان ، الجص
ü     أن تشتمل الكلمة على الجيم والقاف ، مثل المنجنيق والجوسق[11] ، الجوقة .
ü     أن تجتمع في الكلمة الجيم والطاء مثل لطاجن ، الطيجن 

طرق التعريب :

                    ومهما يكن من أمر فإن دراسة تراث الدخيل والمعرب في العربية تثبت أن بعض العلماء العرب كانوا على معرفة صحيحة بالكثير من المفردات الأجنبية التي دخلت العربية حقا ، وأن بعضهم كان يشير إلى خصائص صوتية تتعلق ببعض اللغات الشقيقة أو المجاورة ، مما يدل على معرفته بهذه اللغات ، فلقد كان اللغويين القدامى يعرفون لغات أخرى ، وأن بعضهم ألف فيها كتبا على غرار ما ألف في العربية ولاسيما النحوية والصرفية .
   ويشير الكم  الغفير من أمثلة الدخيل إلى العربية إلى أن العربية أخضعت الكلمات المقتبسة للأساليب الصوتية العربية ، وللأوزان الصرفية مما أدى إلى اندماج معظمها في الكلام العربي ، على حين بقي بعض الدخيل على أوزان غريبة عن أوزان العربية ، فلم يندمج ذلك الاندماج ، ولم يتصرف العرب به تصرفهم في كلامهم اشتقاقا وتوليدا . [12]
ولقد سلك العرب في تعريبهم للكلمات الأعجمية التي استعملوها طريقتين :
v     الطريقة الأولى :

التعبير في أصوات الكلمة وصورتها بما يوافق ألسنتهم وأبنية كلامهم  ، وقد أخذ أشكالا منها :
تحريف في الأصوات : كالإبدال إسماعيل أبدلوها من اشمائيل .
إبدال حركة بحركة دستور وهي في الفارسية بفتح الدال لكن عربت بالضمة
تحريف في الأوزان : وهذا ما يعرف بالمعرب ، فيأخذونه بعد تطويع سواء بالزيادة أو النقص أو القلب .
v    الطريقة الثانية :
إدخال الكلمة إلى اللغة العربية دون تغيير وهذا ما يعرف بالدخيل مثال ذلك خراسان ، لكن قد يتغير مدلوله حين يدخل إلى العربية مثال ذلك الجون فإن معناه في الفارسية اللون على العموم ، ولكنه قصــــــر في الــــــعربية على الأبيــــض والأســـــود .[13]
وبإمكان الشخص عن طريق السليقة العربية أن يميز بين اللفظة الدخيلة وبين اللفظة الأصلية .
وللدخيل شروط عديدة منها :  
             لكل جديد شروط ، ولقد لفتت هذه الظاهرة أنظار كثير من المؤلفين فألفوا فيها وتطرقوا إلى الكثير من المسائل وهاهنا الدكتور صبحي الصالح في كتابه دراسات في فقه اللغة يعرض لنا عن شروط لابد مراعاتها عند القيام بالنقل والتعريب .
ü     ألا نلجأ إلى التعريب إلا عند الضرورة ، انسجاما مع القرار الحكيم الذي اتخذه مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، ونصه ( يجيز المجمع أن يستعمل  بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم ) .
أما قبل تحقق هذه الضرورة فالترجمة الدقيقة تقوم مقام التعريب ، إذا تحرى الناقل العليم بأسرار العربية اللفظ العربي الأنسب لأداء مدلول اللفظ الأعجمي  .
فنترجم مثلا Microscope   بالمجهار  .
ü     الكف عن استعمال اللفظ المعرب إذا كان له اسم في لغة العرب ، إحياء للفصيح وقتلا للدخيل . ولقد عقد السيوطي فصلا في المزهر للمعرب الذي له اسم في لغة العرب ،  معتمدا فيه على كتب ....
       ولقد جاء هذا الكتاب بمجموعة من الألفاظ مرتبة على حروف الهجاء ، ولقد اخترت بعض من هذه الألفاظ التي تتفق مع لهجة السلطنة بشكل عام ومع لهجة أهل الباطنة بشكل خاص ؛ لأنه باستطاعتي الحكم عليها من حيث إنها تقال أو لا بشيء من الاستشارة الخارجية من بعض المناطق الأخرى ، وفي نهاية هذا المنهج بعض من الألفاظ غير موجودة في الكتاب ، ولقد وجدت في هذا الكتاب ألفاظا قد عدها المؤلف دخيلة في اللغة العربية ، لكن هي في الأصل كلمة ولفظة فصيحة ومثال على ذلك كلمة بخت بمعنى الحظ والنصيب فلقد قالوا بأنها معربة . [1]

         بناء على ما تقدم طرحه سالفا ، فإن هذا الجانب سيكون موضحا لما ورد ذكره ، وستكون الأسباب التي وجد على إثرها الدخيل في لهجة أهل الخليج ، والدخيل الذي وجد
شرح وتحليل لقصيدة فتح عمورية


القصيدة :
السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ



1- السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
----------------------- في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ
2- بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في
----------------------- مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ
3- والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْمَاحِ لاَمِعَة ً
----------------------- بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لافي السَّبْعَة ِ الشُّهُبِ
4- أَيْنَ الروايَة ُ بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا
----------------------- صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومنْ كَذِبِ
5- تخرُّصاً وأحاديثاً ملفَّقة ً
----------------------- لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إِذَا عُدَّتْ ولاغَرَبِ
6- عجائباً زعموا الأيَّامَ مُجْفلة ً
----------------------- عَنْهُنَّ في صَفَرِ الأَصْفَار أَوْ رَجَبِ
7- وخَوَّفُوا الناسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَة ٍ
----------------------- إذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذَّنبِ
وصيَّروا الأبرجَ العُلْيا مُرتَّبة ً
----------------------- مَا كَانَ مُنْقَلِباً أَوْ غيْرَ مُنْقَلِبِ
8- يقضون بالأمر عنها وهي غافلة
----------------------- ما دار في فلك منها وفي قُطُبِ
لو بيَّنت قطّ أمراً قبل موقعه
----------------------- لم تُخْفِ ماحلَّ بالأوثان والصلُبِ
9- فَتْحُ الفُتوحِ تَعَالَى أَنْ يُحيطَ بِهِ
----------------------- نَظْمٌ مِن الشعْرِ أَوْ نَثْرٌ مِنَ الخُطَبِ
10- فتحٌ تفتَّحُ أبوابُ السَّماءِ لهُ
----------------------- وتبرزُ الأرضُ في أثوابها القُشُبِ
11- يَا يَوْمَ وَقْعَة ِ عَمُّوريَّة َ انْصَرَفَتْ
----------------------- منكَ المُنى حُفَّلاً معسولة ََ الحلبِ
أبقيْتَ جدَّ بني الإسلامِ في صعدٍ
----------------------- والمُشْرِكينَ ودَارَ الشرْكِ في صَبَبِ
أُمٌّ لَهُمْ لَوْ رَجَوْا أَن تُفْتَدى جَعَلُوا
----------------------- فداءها كلَّ أمٍّ منهمُ وأبِ
وبرْزة ِ الوجهِ قدْ أعيتْ رياضتُهَا
----------------------- كِسْرَى وصدَّتْ صُدُوداً عَنْ أَبِي كَرِبِ
بِكْرٌ فَما افْتَرَعَتْهَا كَفُّ حَادِثَة ٍ
----------------------- ولا ترقَّتْ إليها همَّة ُ النُّوبِ
مِنْ عَهْدِ إِسْكَنْدَرٍ أَوْ قَبل ذَلِكَ قَدْ
----------------------- شابتْ نواصي اللَّيالي وهيَ لمْ تشبِ
حَتَّى إذَا مَخَّضَ اللَّهُ السنين لَهَا
----------------------- مَخْضَ البِخِيلَة ِ كانَتْ زُبْدَة َ الحِقَبِ
أتتهُمُ الكُربة ُ السَّوداءُ سادرة ً
----------------------- منها وكان اسمها فرَّاجة َ الكُربِ
جرى لها الفالُ برحاً يومَ أنقرة ِ
----------------------- إذْ غودرتْ وحشة ََ الساحاتِ والرِّحبِ
لمَّا رَأَتْ أُخْتَها بِالأَمْسِ قَدْ خَرِبَتْ
----------------------- كَانَ الْخَرَابُ لَهَا أَعْدَى من الجَرَبِ
كمْ بينَ حِيطانها من فارسٍ بطلٍ
----------------------- قاني الذّوائب من آني دمٍ سربِ
بسُنَّة ِ السَّيفِ والخطيَّ منْ دمه
----------------------- لاسُنَّة ِ الدين وَالإِسْلاَمِ مُخْتَضِبِ
لقد تركتَ أميرَ المؤمنينَ بها
----------------------- للنَّارِ يوماً ذليلَ الصَّخرِ والخشبِ
12- غادرتَ فيها بهيمَ اللَّيلِ وهوَ ضُحى ً
----------------------- يَشُلُّهُ وَسْطَهَا صُبْحٌ مِنَ اللَّهَبِ
13- حتَّى كأنَّ جلابيبَ الدُّجى رغبتْ
---------------------- عَنْ لَوْنِهَا وكَأَنَّ الشَّمْسَ لَم تَغِبِ
ضوءٌ منَ النَّارِ والظَّلماءُ عاكفة ٌ
---------------------- وظُلمة ٌ منَ دخان في ضُحى ً شحبِ
فالشَّمْسُ طَالِعَة ٌ مِنْ ذَا وقدْ أَفَلَتْ
---------------------- والشَّمسُ واجبة ٌ منْ ذا ولمْ تجبِ
تصرَّحَ الدَّهرُ تصريحَ الغمامِ لها
---------------------- عنْ يومِ هيجاءَ منها طاهرٍ جُنُبِ
لم تَطْلُعِ الشَّمْسُ فيهِ يَومَ ذَاكَ على
---------------------- بانٍ بأهلٍ وَلَم تَغْرُبْ على عَزَبِ
ما ربعُ ميَّة ََ معموراً يطيفُ بهِ
---------------------- غَيْلاَنُ أَبْهَى رُبى ً مِنْ رَبْعِهَا الخَرِبِ
ولا الْخُدُودُ وقدْ أُدْمينَ مِنْ خجَلٍ
---------------------- أَشهى إلى ناظِري مِنْ خَدها التَّرِبِ
سَماجَة ً غنِيَتْ مِنَّا العُيون بِها
---------------------- عنْ كلِّ حُسْنٍ بدا أوْ منظر عجبِ
وحُسْنُ مُنْقَلَبٍ تَبْقى عَوَاقِبُهُ
---------------------- جاءتْ بشاشتهُ منْ سوءٍ منقلبِ
لوْ يعلمُ الكفرُ كمْ منْ أعصرٍ كمنتْ
---------------------- لَهُ العَواقِبُ بَيْنَ السُّمْرِ والقُضُبِ
تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِمِ
---------------------- للهِ مرتقبٍ في الله مُرتغبِ
ومُطعَمِ النَّصرِ لَمْ تَكْهَمْ أَسِنَّتُهُ
---------------------- يوماً ولاَ حُجبتْ عنْ روحِ محتجبِ
لَمْ يَغْزُ قَوْماً، ولَمْ يَنْهَدْ إلَى بَلَدٍ
---------------------- إلاَّ تقدَّمهُ جيشٌ من الرَّعبِ
لوْ لمْ يقدْ جحفلاً، يومَ الوغى ، لغدا
--------------------- منْ نفسهِ، وحدها، في جحفلٍ لجبِ
رمى بكَ اللهُ بُرْجَيْها فهدَّمها
--------------------- ولوْ رمى بكَ غيرُ اللهِ لمْ يصبِ
مِنْ بَعْدِ ما أَشَّبُوها واثقينَ بِهَا
--------------------- واللهُ مفتاحُ باب المعقل الأشبِ
وقال ذُو أَمْرِهِمْ لا مَرْتَعٌ صَدَدٌ
--------------------- للسارحينَ وليسَ الوردُ منْ كثبِ
أمانياً سلبتهمْ نجحَ هاجسها
--------------------- ظُبَى السيوفِ وأطراف القنا السُّلُبِ
إنَّ الحمامينِ منْ بيضٍ ومنْ سُمُرٍ
--------------------- دَلْوَا الحياتين مِن مَاءٍ ومن عُشُبٍ
لَبَّيْتَ صَوْتاً زِبَطْرِيّاً هَرَقْتَ لَهُ
--------------------- كأسَ الكرى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ
عداك حرُّ الثغورِ المستضامة ِ عنْ
--------------------- بردِ الثُّغور وعنْ سلسالها الحصبِ
أجبتهُ مُعلناً بالسَّيفِ مُنصَلتاً
--------------------- وَلَوْ أَجَبْتَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَمْ تُجِبِ
حتّى تَرَكْتَ عَمود الشرْكِ مُنْعَفِراً
--------------------- ولم تُعرِّجْ على الأوتادِ والطُّنُبِ
لمَّا رأى الحربَ رأْي العينِ تُوفلِسٌ
--------------------- والحَرْبُ مَشْتَقَّة ُ المَعْنَى مِنَ الحَرَبِ
غَدَا يُصَرِّفُ بِالأَمْوال جِرْيَتَها
--------------------- فَعَزَّهُ البَحْرُ ذُو التَّيارِ والحَدَبِ
هَيْهَاتَ! زُعْزعَتِ الأَرْضُ الوَقُورُ بِهِ
--------------------- عن غزْوِ مُحْتَسِبٍ لا غزْو مُكتسبِ
لمْ يُنفق الذهبَ المُربي بكثرتهِ
--------------------- على الحصى وبهِ فقْرٌ إلى الذَّهبِ
إنَّ الأُسُودَ أسودَ الغيلِ همَّتُها
--------------------- يوم الكريهة ِ في المسلوب لا السَّلبِ
وَلَّى ، وَقَدْ أَلجَمَ الخطيُّ مَنْطِقَهُ
--------------------- بِسَكْتَة ٍ تَحْتَها الأَحْشَاءُ في صخَبِ
أَحْذَى قَرَابينه صَرْفَ الرَّدَى ومَضى
--------------------- يَحْتَثُّ أَنْجى مَطَاياهُ مِن الهَرَبِ
موكِّلاً بيفاعِ الأرضِ يُشرفهُ
--------------------- مِنْ خِفّة ِ الخَوْفِ لا مِنْ خِفَّة ِ الطرَبِ
إنْ يَعْدُ مِنْ حَرهَا عَدْوَ الظَّلِيم ، فَقَدْ
--------------------- أوسعتَ جاحمها منْ كثرة ِ الحطبِ
تِسْعُونَ أَلْفاً كآسادِ الشَّرَى نَضِجَتْ
--------------------- جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التينِ والعِنَبِ
يا رُبَّ حوباءَ لمَّا اجتثَّ دابرهمْ
--------------------- طابَتْ ولَوْ ضُمخَتْ بالمِسْكِ لم تَطِبِ
ومُغْضَبٍ رَجَعَتْ بِيضُ السُّيُوفِ بِهِ
--------------------- حيَّ الرِّضا منْ رداهمْ ميِّتَ الغضبِ
والحَرْبُ قائمَة ٌ في مأْزِقٍ لَجِجٍ
--------------------- تجثُو القيامُ بهِ صُغراً على الرُّكبِ
كمْ نيلَ تحتَ سناها من سنا قمرٍ
--------------------- وتَحْتَ عارِضِها مِنْ عَارِضٍ شَنِبِ
كمْ كان في قطعِ أسباب الرِّقاب بها
--------------------- إلى المخدَّرة ِ العذراءِ منَ سببِ
كَمْ أَحْرَزَتْ قُضُبُ الهنْدِي مُصْلَتَة ً
--------------------- تهتزُّ منْ قُضُبٍ تهتزُّ في كُثُبِ
بيضٌ، إذا انتُضيتْ من حُجبها، رجعتْ
--------------------- أحقُّ بالبيض أتراباً منَ الحُجُبِ
خَلِيفَة َ اللَّهِ جازَى اللَّهُ سَعْيَكَ عَنْ
--------------------- جُرْثُومَة ِ الديْنِ والإِسْلاَمِ والحَسَبِ
بصُرْتَ بالرَّاحة ِ الكُبرى فلمْ ترها
--------------------- تُنالُ إلاَّ على جسرٍ منَ التَّعبِ
إن كان بينَ صُرُوفِ الدَّهرِ من رحمٍ
--------------------- موصولة ٍ أوْ ذمامٍ غيرِ مُنقضبِ
فبَيْنَ أيَّامِكَ اللاَّتي نُصِرْتَ بِهَا
--------------------- وبَيْنَ أيَّامِ بَدْر أَقْرَبُ النَّسَبِ
أَبْقَتْ بَني الأصْفَر المِمْرَاضِ كاسِمِهمُ
--------------------- صُفْرَ الوجُوهِ وجلَّتْ أَوْجُهَ العَرَبِ 




تعريف الشاعر أبي تمام :
أَبو تَمّام188 - 231 هـ / 803 - 845 م
هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي ، أحد أمراء البيان ، ولد بجاسم ، من قرى حوران بسورية ؛ وهي قرية قرب دمشق على طريق طبرية ، وذلك نحو سنة 796م الموافق لـ 180 هـ ، وقيل 803 م الموافق لـ 188هـ .
رحل أبو تمام إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها.
كان أسمر، طويلاً، فصيحاً، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع.
في شعره قوة وجزالة ، واختلف في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري ، له تصانيف،
منها: فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل ، ونقائض جرير والأخطل، نُسِبَ إليه ولعله للأصمعي كما يرى الميمني
وذهب أحد الباحثين إلى أن والد أبي تمام كان نصرانياً يسمى ثادوس، أو ثيودوس ،
واستبدل الابن هذا الاسم فجعله أوساً بعد اعتناقه الإسلام ووصل نسبه بقبيلة طيء، وكان أبوه خماراً في دمشق وعمل هو حائكاً فيها ثمَّ انتقل إلى حمص وبدأ بها حياته الشعرية.
وفي أخبار أبي تمام للصولي : أنه كان أجش الصوت يصطحب راوية له حسن الصوت فينشد شعره بين يدي الخلفاء والأمراء

مناسبة القصيدة :
كتب أبو تمام هذه القصيدة بعد النصر الذي حققه الخليفة العباسي المعتصم حينما فتح عمورية مسقط رأس الإمبراطور الروماني تيوفل ، و كانت هذه المعركة بمثابة رد على اعتداء إمبراطور الروم على بلدة زبطرة العربية، التي عاث فيها الروم فسادا وقتلا و تدميرا، و انتقاما لما حل بتلك المرأة العربية حينما اعتدى عليها في السجون الرومانية، فهتفت مستنجد ((وامعتصماه!))... سخر الجنود بهتافها وتعجبوا كيف يستطيع المعتصم أن يسمعها، بل كيف يقوى على الحصون المنيعة لامبراطوية عظيمة تدعى روما، ولما سمع الخليفة المعتصم بشأن المرأة قال قولته الشهيرة : والله لآتينهم بجيش أوله عندهم وآخره عندي . لكن المنجمين حذروا الخليفة من الهزيمة إن مضى سريعا ، وقالوا أنه يتوجب عليه الانتظار إلى زمن نضج التين والعنب، لكنه المعتصم لم يؤمن بتنجيمهم، وآمن بتقديم الأسباب من أجل النصر ، كما علمنا الله .. ومضى إلى الحصون فاكتسح أنقرة، واتجه إلى عمّورية فدك قلاعها وهزم جيشها ، وحرر تلك المرأة العربية . فنَظـَمَ أبو تمام هذه القصيدة وقد شهد المعركة الفاصلة .
وفي القصيدة سخرية من المنجميمين، حينما حذروا المعتصم من فتح عمورية، وتأكيد قاطع على أن قوة الحرب هي وحدها الحد الفاصل لتحقيق النصر .




السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدِّه الحد بين الجد واللعب
المعنى : ( الكتب ) أي نبوءات المنجمين ، والسيف أصدق من نبوءاتهم . وكلمة ( حد) الأولي للسيف ، ما يقطع به ، أما الثانية فهي الفاصل بين الشيئين ، أي أن حد السيف هو الذي يفصل بين الجد واللعب . وفي البيت جمال يتمثل في الجناس ، في كلمتي الحد (والجناس هو اتفاق كلمتين في الرسم والنطق واختلافهما في المعنى ) ، وأيضا في
( التضاد ) بين كلمتي ( الجد ، اللعب ) .

بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والرِّيَب
الصفائح هي السيوف ، والصحائف هي الكتب ، والجلاء كشف الأمر ورفع الغطاء عنه .
والمعني أن السيوف هي التي تفصل بين الحق والباطل حتى تتبينه . وبالبيت أيضا جناس بين كلمتي ( الصفائح والصحائف ) ويسمي تجنيس القلب لأن هجاء الكلمتين متساوٍ وإنما تقدّمت الفاء في ( الصفائح ) ، وأيضا التضاد بين كلمتي ( بيض ) ، ( سود )، مما يضفي على الشعر جماله , ما لم يكن متكلّفا .

والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
شهب الأرماح : أسنة الرماح ، الخميسان : الجيشان ، ويقال إن الجيش سُمِّيَ خميسا في زمان كانت الملوك إذا غزت أخذت خمس الغنائم لأنفسها ، فالخميس إذا في معنى المخموس أي المأخوذ منه الخمس .
السبعة الشهب : الكواكب والنجوم التي استند إليها المنجمون في أخبارهم .
والمعنى أن الأخبار الحقيقية هي في أسنة الرماح اللامعة لا في ما استدل عليه المنجمون عن طريق النجوم والكواكب .

أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
الزّخرف : ما يعجبك من متاع الدنيا ، ويقال للقول المحَسَّن المكذوب زخرف . والشاعر يتساءل على سبيل الاستخفاف والتهكم عن أخبار المنجمين الكاذبة .

وخوَّفوا الناس من دهياء مظلمة .... إذا بدا الكوكب الغربيُّ ذو الذنَب
الدهياء : الداهية ، يقال داهية دهياء ودهواء ، كما يقال ليلة ليلاء أي شديدة الظلمة ، والذنب : لذيل.
والمعنى أن المنجمين قد حكموا بأن طلوع الكوكب الموصوف يكون فتنة وشرا عظيما .

وصيروا الأبرج العليا مرتِّبة .... ما كان منقلبا أو غير منقلب
صيّروا : أي صيروا التدبير للنجوم
الأبرج : بروج السماء التي أولها الحمل وآخرها الحوت
والمنجمون يزعمون أن البروج على ثلاثة أقسام ، أربعة منقلبة ، وهي : الحمل والسرطان والميزان والجدي ، وأربعة ثابتة ، وهي : الثور والأسد والعقرب والدلو ، وأربعة ذوات جسدين ، وهي : الجوزاء والسنبلة والقوس والحوت .وكان المنجمون يحكمون في أخبارهم بهذه البروج ، إذا ورد عليهم خبر في وقت الطالع فيه برج ثابت حققوه ، وإذا كان الطالع برجا منقلبا لم يحققوه .

يقضون بالأمر عنها وهي غافلة .... ما دار في فلك منها وفي قطب

الفلك : مدار النجوم ، والقطب ، كل ما ثبت فَدار عليه شيء . وفي السماء قطب الجنوب وقطب الشمال . والمعنى أن المنجمين يدعون بأن الأخبار تأتيهم من هذه الأفلاك والأقطاب وهي لا تعرف شيئا عن ذلك .

لو بينت قطُّ أمرا قبل موضعه .... لم تخْفِ ما حلَّ بالأوثان والصُّلُب
الأوثان : ما يعبد من دون الله ، والصُّلُب جمع صليب
والمعنى أنه لو بينت هذه البروج أمرا يحدث قبل وقوعه لبينت أمر هذا الفتح .

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ..... نظم من الشعر أو نثر من الخطب
يقال : فتح الفتوح لتعظيم شأن هذا الفتح الذي لا يوفِّيه حقه شعر أو خطب .
ولكن ما يؤخذ على الشاعر في هذا البيت استخدامه تعبير ( تعالى أن ) لأن مثل هذا التعبير يقع في الثناء على الله عزَّ وجلّ .

فَتْحٌ تفتَّحُ أبواب السماء له .... وتبرز الأرض في أثوابها القُشُب
تفتَّح أي تتفتح وحذفت إحدى التاءين للتخفيف ، وهو أمر مألوف في كلام العرب .
القشب : جمع قشيب وهو الجديد
والمعنى أن هذا الفتح ، لعظمته ، تتفتح له أبواب السماء بالغيث والرحمة ، وتتزين له الأرض بأثوابها الجديدة .

يا يوم وقعة ( عمّورية ) انصرفت ... منك المنى حُفَّلا معسولة الحَلَب
حفّلا : جمع حافل وهي الشاة أو الناقة التي امتلأ ضرعها باللبن واستعار الشاعر
هذه الصفة للمُنى .
معسولة : المعسولة التي أضيف إليها العسل ، يقال : عسلت الطعام فهو معسول ، وعسّلته فهو مُعَسّل .
الحَلَب : ما حُلِب من اللبن .

أبقيتَ جدّ بني الإسلام في صَعَدٍ .... والمشركين ودارَ الشرك في صَبَب
المعاني: الجدّ هنا الحظّ ... صعد ، الصعد المكان الذي يصعد فيه، والصبب المكان الذي يُنصبُّ فيه أي يُنحدَر ، ويقال لهما الصَّعود والصّبوب .
ويكون المعنى أن هذا الفتح رفع حظَّ المسلمين وحطَّ من حظّ الشرك والمشركين .


لقد تركت أميرَ المؤمنين بها .... للنار يوما ذليل الصخر والخشب
المعنى : لقد تركت يا أمير المؤمنين ( وقد حذفت أداة النداء ) بعمورية يوما ذلّ صخره وخشبه للنار التي أضرمها في المدينة .

غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى .... يَشُلُّه وَسْطَها صبح من اللهب
بهيم الليل : الليل الشديد الظلمة الذي لا ضوء فيه
يشلُّه : يطرده
المعنى أنك يا أمير المؤمنين تركت المدينة المدمَّرة وقد تحول ليلها إلى ضحى وكان ضوء النار ، الذي هو كالصبح لتوقُّده وتوهّجه ، يطرد الليل البهيم ويحوله إلي نهار .

حتى كأن جلابيب الدجى رغبت .... عن لونها وكأن الشمس لم تغب
جلابيب : جمع جلباب
الدّجى : جمع دجية وهي الظلمة
والمعنى أن النار التى أضرمها الجيش في عموريّة أزاحت الظلمة وحولت المدينة إلى نهار لم تغب شمسه .

ضوء من النار والظلماء عاكفة .... وظلمة من دخَان في ضحىً شحِب
المعنى أن ضوء النار يُصَيِّر الليل نهارا ، وظلمة الدّخَان تُصَيِّر الضحى شاحبا


تدبير معتصمٍ بالله منتقمٍ .... لله مرتقِبٍ في الله مُرتَغِب
المرتقب : الذي يجعل ما يرقبه بين عينيه كأنه ينظر إليه .
فيالله مرتغب : أي يرغب فيما يقرِّبه إلى الله .
والمعنى أن تدبير فتح ( عموريّة ) كان تدبير من يجعل الله دائما أمام عينيه ويرغب فيما يقربه إليه .

.

لم يغز قوما ولم ينهد إلى بلد .... إلا تقدَّمه جيش من الرعب
لم ينهد : لم ينهض
والمعنى أن اللمدوح لم يخرج اغزو قوم ولم ينهض للسير إلى بلد إلا سبقه جيش من الرعب إلى البلد أو القوم الذين خرج لغزوهم .

لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لَغَدا .... من نفْسِهِ وحدها في جحفل لَجب
الجحفل : الجيش العظيم
الوغى : الحرب ، وأصل معنى الكلمة الصوت ثم سميت الحرب بها .
لجب : صَخِب كثير الأصوات
والمعنى أن الخليفة لو خرج وحده لكان كأنه جيش لِعِظَم شأنه .

رمى بك الله بُرْجَيها فهدَّمها .... ولو رَمَى بك غيرُ الله لم يُصِب
المعنى أن قتالك كان لنصرة دين الله فكأن الله هو الذى رمى بك ، ولو كان قتالك لغرض غير نصرة دين الله لم تُنصَر عليهم ولم تصبهم .



من بعد ما أشَّبوها واثقين بها *** والله مفتاح باب المعقل الأشِب


أشَّبوها : صعّبوا أمرها والمراد هنا لفّفو حولها الجند ، من قولهم تأشّبَت الغَيْضة ( الأجَمة ) أي التفّت أشجارها . ـ الأشِب : المنيع وكانو قد حصّنوا مدينتهم وأحاطوها بالجند والرماح حتى أصبحت كالأجمة التي التفَّ شجرها وباتوا آمنين واثقين من منعتها واستحالة فتحها ، ولم يعلموا أن الله قادر على تذليل كل صعب أمام المسلمين وفتح باب كل المعاقل والحصون المنيعة أمامهم .
وكان رئيسهم قد طمأنهم وقال لهم : لا تخافوا هؤلاء فإنهم لا يجدون مرتعا ولا مسرحا لدوابهم .
ولكن هذا التقدير كان مجرد أمانيَّ أطاحت بها ظبى السيوف وأسنة الرماح .


أثري رصيدي اللغوي :
* إنباء : إخبارا (من أنبأ ينبئ إنباء أي اخبر يخبر إخبارا)
* الحد : الفصل * الصفائح : جمع صفيحة وهي الحديدة والمقصود هنا السيوف
* الأريب : جمع ريبة : الظن . * شهب الأرماح : الرماح رؤسها تلمع مثل الشهب
* الخميسين : مثنى الخميس وهو الجيش ؛ وسمي خميسا لأنه ينقسم على خمسة أقسام
* السبعة الشهب : هي الكواكب السيارة السبعة؛ وهي عند العرب : (عطارد ، الزهرة ، الشمس ، القمر ، المريخ ، المشتري ، زحل)
* تخرّصا : كذبا . * نبع : شجر صلب يتخذ منه القسيّ .
* غرب: شجر رخو ينبت على شاطئ النهر . * مجفلة عنهن: من الفعل أجفل بمعنى أسرع ، والمقصود أن الأيام ستكشف عن عجائب بسرعة
* دهياء : كارثة . * حُفّلا : الناقة التي امتلأ ضرعها باللبن

اكتشاف معطيات النص :
- يرمز السيف للقوة ، ويقصد بالكتب التمائم
- فضّل أبو تمام السيف عن الكتب في مجال الحرب
- عقد الشاعر موازنة بين أدوات القتال التي تحقق النصر وبين مزاعم المنجمين التي تثبط الهمم ، فأما أدوات القتال كالرماح مثلا تؤدي دورها الفعّال في المعركة بلمعانها وحركتها وتأثرها على المحاربين ، وأما التنجيم فلا قيمة له ، إذ أثبت فشله في تحقيق النصر وهو الذي زعم أن الهزيمة ستلحق بجيش المسلمين إن مضى لتوه إلى المعركة لكن المسلمين انتصروا بفضل مضيهم
- وقف الشاعر من أقوال المنجمين موقف الساخر المستهزئ بهم المتحدي لهم أن يأتوا بالحقيقة قبل وقوعها
- علاقة المنجمين بأخبار الناس هي الزيف والكذب عليهم، وإحباط عزائمهم
- قيمة الفتح أنه فتح عظيم، والدليل على عظمته أنّ الشعر والنثر يعجز عن الوفاء بحقه ووصفه
- المقصود بفتح الفتوح هو الفتح العظيم الذي لا نظير له
- انهزم لروم شر هزيمة ، وألحق الدمار بمدينتهم فاستوحشت ساحتها وميدانها، وأكلتها النيران من كل جانب ، فغدت ذليلة
- المخاطـَبُ الخليفة المعتصم ، الذي كان دوره في المعركة أنه كان قويا صلبا قاد الجيش للنصر بفضل الله

مناقشة معطيات النص :
- بدأ الشاعر قصيدته بحكمة يمجد فيها السيف ويسخر من المنجمين
- التنجيم هو علم التنبؤ الغيبي. نشأ في بلاد مابين النهرين بشمال العراق. وكان يعني بالطالع للتعرف عل أمور مستقبلي. ومارس السومريون والبابليون فن التنجيم من خلال مراقبة الشمس والقمر والنجوم والمذنبات وأقواس قزح للتنبؤ بالأوبئة والمحاصيل والحروب. وفي سنة 1000 ق.م. أصبح لدي البابليين والآشوريين مجموعة دلائل نجمية للقياس التنبؤي عليها. فحددوا من خلالها الأيام السيئة الطالع وأيام السعد
مكانة التنجيم في المجتمع ، بين مؤمن به لضعف نفسه وكثرة همه ، وبين منكر له ، علما أنه أكثر انتشارا في البلدان الفقيرة والمتخلفة
- أعلل تحليل الفكرة وعمقها، باعتماد الخيال ( الصور البيانية) والعاطفة القوية
- سبب ذم الخرافات والنفور منها أنها أضاليل تبعد الإنسان عن الحق والحقيقة ومن ثم فهي مدعاة إلى التخلف والرجوع إلى الوراء ن والفشل الذريع
- يعكس النص بعض مظاهر البيئة الفكرية والمادية لاسيما تلك التي تمثلت في ضعف الوازع الديني والإيمان بالخرافات والخوف منها، كما ورد في البيت السابع


أفكار النص الأساسية هي :
1- تمجيد القوة والسخرية من المنجمين (من البيت 1 إلى 8 )
2- تعظيم الفتح والفرح بالنصر (من البيت 9 إلى 11)
3- تصوير الدمار والحريق الذي خلفته المعركة في عمورية (من البيت12 إلى 13)
الصور البيانية في النص :
البيت الأول : السيف أصدق إنباءً: استعارة مكنية حذف المشبه به وهو" الإنسان" ، وأبقى على صفة من صفاته وهي الصدق في الإنباء ، أثرها هو توضيح معنى النصر لا يكون إلا بالسيف في ميدان المعركة ، وتقوية هذا المعنى في نفس القارئ
البيت الثالث : شبه الرماح بالشهب اللامعة التي تظهر في السماء ، ووجه الشبه بينهما هو اللمعان ، وأداة التشبيه محذوفة ، فهو تشبيه مفصل مؤكد
ملاحظة :
عندما تذكر أداة التشبيه يسمى مرسلا، وعند حذفها يسمى مؤكدا ، وعندما يذكر وجه الشبه يسمى مفصلا ، وعندما يحذف









              


اروع واعذب ابيات الشعر التي تعتبر من اجمل الحكم الشعرية ...
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
********
إن ربا كفاك ما كان بالأمس ... سيكفيك في غد ما يكون
********
كذا قضت الأيام ما بين أهلها .. مصائب قوم عند قوم فوائد
********
يكون أجاجا دونكم فإذا انـــتهى ... إليكم تلقى طيبكم فـــيطيب
********
يقولون لو سليت قلبك لا رعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب؟
********
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
********
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
********
دقات قـــلب المرء قائلة له ... إن الحـــياة دقائق وثواني
********
ألا كل شـــيء ما خلا الله باطل ... وكل نـــعيم لا محالة زائل
********
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
********
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
********
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
********
قد يهون العــمر إلا ساعة ... وتــضيق الأرض إلا موضعا
********
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
********
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
********
ما كل ما يتماه المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
********
وكيف تعلّلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلّة الدنيا طبيب؟
********
علو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
********
أحبك لا تفسير عندي لصبوتي ... أفسر ماذا والهوى لا يفسر
********
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
********
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
********
أعيناي كفا عن فـــؤادي فإن ... من الظلم سعي اثنين في قـــتل واحد
********
سأبكيك ما فاضت دمـــوعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تكن جـــروح
********
إنـــي وإن لمت حاسدي فما ... أنكر أنـــي عقوبة لهم
********
فما أطال النـــوم عمرا ... وما قصر في الأعمار طـــول السهر
********
قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
********
اعذر حـــسودك فيما قد خصصت به ... إن العلا حـــسن في مثلها الحسد
********
يقضى على المـــرء في أيام مــحنته ... حتى يرى حــسنا ما ليس بالحـــسن
********
هم يحـــسدوني على الموت فوا أسفا ... حتى على الموت لا أخلو من الحـــسد
********
أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر؟
********
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
********
دع المقادير تجري في أعنتها ... ولا تبيتن إلا خال البال
********
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود
********
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
********
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكار
********
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا لأجابوا ... وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
********
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
********
من راقب الناس مات هما ... وفاز باللذة الجسور
********
وكل شـــديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شـــدتها رخاء
********
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
********
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
********
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
********
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها
********
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل
********
إذا لم تستطع شيء فدعه .. وجاوزه إلى ما تستطع
********
إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
********
ولم أر كالمعروف، أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
********
ابدأ بنفسك فانهها عن غيرها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
********
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
********
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
********
ومن يكن ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلال
********
جراحات الطعان لها التئام ... ولا يلتئم ما جرح اللسان
********
ضدان لما استجمعا حسنا ... والضد يظهر حسنه الضد
********
بقدر الجد تكتسب المعالي ... ومن رام العلا سهر الليالي
********
تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
********
أعلل النـــفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العـــيش لولا فسحة الأمل
********
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أ
********
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟
********
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمر به الوحول
********
إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفا ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
********
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
********
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
********
من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
 
 ماذا قيل عن الغة العربية


قـــآل- الإسباني "فيلا سبازا":-

"اللغة العربية من أغنى لغات العالم بل هي أرقى ن لغات أوروبا لأنها تتضمن كل أدوات التعبير في اصولها، في حين الفرنسية والإنجليزية والإيطاليةم وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، وإني لأعجب لفئة كثيرة من أبناء الشرق العربي يتظاهر أفرادها بتفهم الثقافات الغربية ويخدعون أنفسهم ليقال عنهم أنهم متمدنون"


قــآل -الألماني "أوجست فيشر":-

"وإذا استثنينا الصين فلا يوجد شعب

آخر يحق له الفخر بوفرة كتب علوم لغته غير العرب".


قــآل الألماني "فريتاج":-

اللغة العربية أغنى لغات العالم.



* قـآلت - الألمانية "سيجريد هونكه":-

كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة.



* قــآل - الألماني "يوهان فك":-

لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر.




قال ابن تيميّة رحمه الله :"


اعلم أنّ اعتياد اللغة يؤثر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيراً قويّاً بيّناً ، ويؤثر أيضاً في مشابهةِ صدرِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعين ، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ و الخلقَ ، وأيضاً فإنّ نفس اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ ، فإنّ فهم الكتاب والسنّة فرضٌ ، ولا يُفهم إلاّ بفهم اللغة العربية ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب "